ابن الجوزي
514
كتاب ذم الهوى
تنفّست الصعداء . ثم قالت : ألا أيها الماشي بسمت وهيئة * ووجه جميل ما لنا فيك مطمع أموت وأحيا عند ذكرك تارة * ففي القلب مني حرقة ليس ترفع فوا عجبا من عاشق يكتم الهوى * يعلّل بالآمال قلبا يقطّع بمن ليس يدري أنني في وثاقه * بروضة أحزان بها الحزن يزرع قال : ثم تولّي . فكان هذا دأبها حينا ، والفتى في غفلة لا يعلم بشيء منه . فلما طال عليها ذلك وخشيت أن تبدي به وقفت في بعض طرقه التي كان يمرّ فيها فقالت : ألا أيها الساهي وليس بذي سهو * رويدك إني عنك لست بذي لهو قال : فوقف فقال لها : ما حاجتك ؟ فقالت : أتنصف من ناظرك أم تجور عليه في حكمك إذ صير أمره إليك ؟ . فقال لها : ويحك ، إني قد أنكرت مقالتك إنكارا شديد ، واستوحشت منها جوارحي ، وما أجد إلى الوقوف معك سبيلا أحتجّ به عند ربي غدا . ثم ولّى وتركها . فأتى منزله مغموما منها ، فلزم منزله ، فكان لا يخرج منه حذار أن يلقاها فتكلمه . قال : وكانت امرأة ذات جمال وهيبة ، وجعلت تطلبه وتسأل عنه من يعرفه ، فيخبرها أنه قد لزم بيته ، فلما طال ذلك عليها كتبت بهذه الأبيات : تقول التي قد شفّها حبّ ناسك * وأمرضها حتى تغيّر حالها وصيّرها مثل القضيب بروضة * تزعزعه ضعفا هناك شمالها وخلّاه للأحزان فردا معذّبا * ومالي والأحزان ، مالي ومالها أفي النّسك أن لا ترحم اليوم عاشقا * شكا حرقة في القلب من ظالم لها